عفيف الدين التلمساني
274
شرح مواقف النفري
شيء بلاء وطاعة كل شيء لك بلاء ، وعرّج بي عن ذلك كله . وقال لي : كله لا أنظر إليه ولا يصلح لي ) . قلت : هذا التنزل والذي قبله لا أستطيع أن أذكر ما فيه إلا مشافهة ، وينبغي أن يقنع بالإشارات لتعذر العبارات ، فيعود ويقول رآه يتحرك ويتكلم عند رؤيته الخلق ووصاه على معرفة الفرق ، وأما كونه لم ير شيئا فإن حقه يستغرق كل شيء ، فلما عرج به عن حقه لم ير شيئا ، وقوله : رأيت كل شيء يعني في ضمن حقه وإطاعة كل شيء لخلافيته عن الأصل ، ثم ينههه عن أن لا يرى الأشياء بقوله : رؤيتك كل شيء بلاء يعني اختبار ، وذلك من حيث الشيئيات لا من حيث حقه ، وكذلك طاعة كل شيء ، ثم كشف له عن وجه الوحدانية فرآه لا ينظر إلى الشيئيات لوجوده فردانيّا أو لوجودها به والمعنى فيهما واحد . 39 - موقف بحر قوله : ( أوقفني في بحر ولم يسمّه وقال لي : لا أسمّيه لأنك لي لا له وإذا عرّفتك سواي فأنت أجهل الجاهلين ، والكون كله سواي فما دعا إليّ لا إليه فهو مني فإن أجبته عذبتك ولم أقبل منك ما تجيء به ، وليس لي منك بدّ وحاجتي كلها عندك فاطلب مني الخبز والقميص فإني أفرح وجالسني أسرّك ولا يسرّك غيري ، وانظر إليّ فإني ما أنظر إلا إليك ، وإذا جئتني بهذا كله وقلت لك إنه صحيح ما أنت مني ولا أنا منك ) . قلت : يريد بهذا البحر هنا الحيرة التي تحصل للعبد عند التجلي بين اعتبار عالم الحقيقة وعالم الخلقية . وكونه لم يسمه لأنه لو سماه تحققت الكونية فيه ، فإن كل شيء إنما يتسمى بما فيه من اعتبار الإمكان والخلقية . وأما الوجه الخاص فليس له من جهته اسم . وقد ذكر هذه المسألة الشيخ الغزالي رحمة اللّه عليه في كتاب « مشكاة الأنوار » وذكر فيها استشهادا بقوله تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : الآية 88 ] وقد أفصح ، ولكن كلامه من حضرة المعقول لا من حضرة المشهود . قوله : وقال لي : « لا أسميه لأنك لي لا له » أي لو أخبرتك بجهة اسمه استحضرت جانب خلقيته فانشغل باطنك عن حقي بخلقي وأنت لي لا للخلق ، ثم